ليث الشاكر
يُروى أن حاكم إحدى البلاد البعيدة أصابه مرض خطير، فلم يجد الأطباء لعلاجه سوى قطع أنفه. استسلم الحاكم لأمر الأطباء، وأُجري له ما يلزم، حتى تعافى من مرضه.
لكن عندما نظر الحاكم إلى وجهه بعد الشفاء، ورأى نفسه بلا أنف، شعر بالإحراج والصدمة. فكيف لحاكم البلاد أن يظهر أمام شعبه بهذا الشكل؟
فكر طويلًا، ثم وجد الحل…
أمر وزيره وكبار موظفيه بقطع أنوفهم!
وبالفعل، امتثلوا لأوامره. ثم أصبح كل مسؤول منهم يأمر من هو أدنى منه رتبة بأن يقطع أنفه، حتى وصل الأمر إلى جميع موظفي الدولة، ثم انتقل من الموظفين إلى عائلاتهم؛ فأصبح كل رجل يعود إلى بيته ليأمر زوجته وأفراد أسرته بقطع أنوفهم.
ومع مرور الوقت، لم يعد أحد يسأل: لماذا؟
تحولت المسألة إلى عادة، ثم أصبحت العادة جزءًا من هوية المجتمع، حتى صار الطفل عندما يولد، وبعد قطع حبله السري، يكون أول ما يُقطع من جسده هو أنفه!
مرت السنوات، وأصبح أهل تلك البلدة جميعًا بلا أنوف.
وفي يوم من الأيام، مرّ رجل غريب بالبلدة، وكان يحمل على وجهه أنفًا سليمًا.
نظر إليه الناس باستغراب، ثم بدأوا يضحكون:
«انظروا إلى هذا الكائن الغريب… لديه شيء يتدلى من وجهه!»
كانوا يرون الأنف السليم عيبًا، لأنهم اعتادوا أن يكونوا بلا أنوف.
ياللهول! كيف أصبح الخطأ صوابًا؟ وكيف أصبح الصواب خطأً؟
إنها حكاية رمزية، لكنها تحمل سؤالًا أكبر من الحكاية نفسها.
فبحكم السلطة، وبفعل التقليد والخوف والتبعية، استطاع الحاكم أن يجعل الخطأ يبدو طبيعيًا، ثم جعل الناس يدافعون عنه، ليس لأنه صحيح، وإنما لأنه أصبح عادة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
كم من خطأ اعتدنا عليه حتى أصبح في نظرنا صوابًا؟
وكم من أمر كان مرفوضًا بالأمس، أصبح اليوم مقبولًا فقط لأننا اعتدنا عليه؟
وكم من حقوق قُطعت منا شيئًا فشيئًا، حتى نسينا أصلًا أنها كانت حقوقًا لنا؟
المشكلة ليست دائمًا في من يقطع الأنوف، بل في الذين يسمحون له أن يقنعهم بأن الأنف عيب، وأن فقدانه فضيلة!
نحن أحيانًا لا ندافع عن الخطأ لأنه صحيح، بل ندافع عنه لأنه أصبح جزءًا من واقعنا. نخشى التغيير، ونخشى أن نكون مختلفين، ونخشى أن نقول: هذا خطأ، بينما الجميع يقولون: هذه هي الحياة.
نرى الفساد ونصمت، ونرى المحسوبية ونتعامل معها كأنها أمر طبيعي، ونرى سرقة المال العام ونبررها، ونرى التعدي على حقوق الناس ثم نبحث عن الأعذار.
ومع الوقت، يصبح الاعتياد أخطر من الخطأ نفسه.
فالمفسد الذي قطع أنفه وباع ضميره، لا يحق له أن يفرض علينا أن نقطع أنوفنا أيضًا.
والقاتل والسارق والفاسد لا ينبغي أن يتحول خطؤه إلى قانون، ولا أن تتحول جريمته إلى عادة، ولا أن يصبح المجتمع أسيرًا لمنطق: «الجميع يفعل ذلك».
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس أن ينتشر فيه الخطأ فقط، وإنما أن يفقد القدرة على رؤية الخطأ باعتباره خطأ.
أن نصل إلى مرحلة نضحك فيها من صاحب المبدأ لأنه مختلف، ونهاجم صاحب الكلمة الصادقة لأنه لا يجامل، ونعتبر من يرفض الفساد شخصًا غريبًا، بينما نمنح الفاسد صفة الذكاء والشطارة.
وهنا نسأل أنفسنا:
هل فقدنا أنوفنا؟
هل فقدنا قدرتنا على شم رائحة الفساد قبل أن يتحول إلى عادة؟
هل فقدنا قدرتنا على التمييز بين الحق والباطل؟
هل فقدنا أنفتنا وكرامتنا عندما سمحنا للتبعية والحقد والكراهية والمذهبية والمصالح الضيقة أن تتحكم في مواقفنا؟
إن استعادة أنوفنا لا تعني استعادة عضو من أجسادنا، بل تعني استعادة الوعي والكرامة والإرادة.
أن نستعيد قدرتنا على قول «لا» عندما يكون الأمر خطأ، حتى لو قال الجميع «نعم».
أن نرفض الفساد مهما كان صاحبه.
أن ننتصر للحق مهما كان اسم صاحبه.
أن نخرج من طاولة الحقد والكراهية والتبعية، وأن نضع مصلحة الوطن والإنسان فوق كل انتماء ضيق.
لا نريد مجتمعًا يضحك على صاحب الأنف السليم، بل مجتمعًا يسأل نفسه: لماذا قطعنا أنوفنا من الأساس؟
فلنُمسح أنوفنا، ولنُصلح عقولنا أيضًا.
لنبحث عن حقوقنا التي سُلبت منا، ولنحاول الخروج من الأخطاء التي تحولت إلى عادات، ولنمنح أبناءنا فرصة أن يعيشوا في مجتمع لا يخاف من الاختلاف، ولا يقدس الخطأ لمجرد أنه قديم.
فربما آن الأوان لأن نتوقف قليلًا، وننظر إلى وجوهنا، ونسأل:
هل ما نفعله صحيح فعلًا؟
أم أننا فقط اعتدنا عليه؟
فليس كل ما اعتدناه صحيحًا، وليس كل ما يفعله الجميع صوابًا.
وربما يكون أول طريق الإصلاح هو أن نكتشف أننا، منذ سنوات، كنا نعيش في تلك البلدة…
وأننا نسينا أن لنا أنوفًا.